ابن الجوزي

362

زاد المسير في علم التفسير

أحدها : أنه نزل في عمار بن ياسر ، أخذه المشركون فعذبوه ، فأعطاهم ما أرادوا بلسانه ، رواه مجاهد عن ابن عباس ، وبه قال قتادة . والثاني : أنه لما نزل قوله : ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم . . ) إلى آخر الآيتين اللتين في سورة النساء كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى من كان بمكة ، فخرج ناس ممن أقر بالإسلام ، فاتبعهم المشركون ، فأدركوهم ، فأكرهوهم حتى أعطوا الفتنة ، فنزل ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد . والثالث : أنه نزل في عياش بن أبي ربيعة ، كان قد هاجر فحلفت أمه ألا تستظل ولا تشبع من طعام حتى يرجع ، فرجع إليها ، فأكرهه المشركون حتى أعطاهم بعض ما يريدون ، قاله ابن سيرين . والرابع : أنه نزل في جبر ، غلام ابن الحضرمي ، كان يهوديا فأسلم ، فضربه سيده حتى رجع إلى اليهودية ، قاله مقاتل . وأما قوله : ( ولكن من شرح بالكفر صدرا ) فقال مقاتل : هم النفر المسمون في أول الآية . فأما التفسير ، فاختلف النحاة في قوله : ( من كفر ) وقوله : ( ولكن من شرح ) فقال الكوفيون : جوابهما جميعا في قوله : ( فعليهم غضب ) ، فقال البصريون : بل قوله : ( من كفر ) مرفوع بالرد على ( الذين لا يؤمنون ) . قال ابن الأنباري : ويجوز أن يكون خبر ( من كفر ) محذوفا ، لوضوح معناه ، تقديره : من كفر بالله ، فالله عليه غضبان . قوله تعالى : ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) أي : ساكن إليه راض به . ( ولكن من شرح بالكفر صدرا ) قال قتادة : من أتاه بإيثار واختيار . وقال ابن قتيبة : من فتح له صدره بالقبول . وقال أبو عبيدة : المعنى : من تابعته نفسه ، وانبسط إلى ذلك ، يقال : ما ينشرح صدري بذلك ، أي : ما يطيب . وجاء قوله : ( فعليهم غضب ) على معنى الجميع ، لأن " من " تقع على الجميع . فصل الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها . وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان : إحداهما : أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر به . والثانية : أن التخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب . وإذ ثبت جواز " التقية " فالأفضل ألا يفعل ، نص عليه أحمد ، في أسير خير بين القتل وشرب الخمر ، فقال : إن صبر على القتل فله